محمد سعيد رمضان البوطي

147

فقه السيرة ( البوطي )

يشبه القارورة يحفظ فيه ما يراد صيانته - فكان إذا أصاب أحدا من الصحابة عين أو أذى أرسل إليها إناء فيه ماء ، فجعلت الشعرات في الماء ، ثم أخذوا الماء يشربونه توسلا للاستشفاء والتبرك به . ومن ذلك ما رواه مسلم في كتاب الفضائل في باب : طيب عرقه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه عليه الصلاة والسلام كان يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست هي في البيت ، فجاء ذات يوم فنام على فراشها ، فجاءت أم سليم وقد عرق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عتيدتها « 1 » فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها ، فأفاق النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : « ما تصنعين يا أم سليم ؟ » فقالت : يا رسول اللّه ، نرجو بركته لصبياننا ، قال : « أصبت » « 2 » . ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من استباق الصحابة إلى فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام والتبرك بالكثير من آثاره كألبسته والقدح الذي كان يشرب به « 3 » . فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية ، فكيف بالتوسل بمنزلته عند اللّه جل جلاله ، وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين ؟ . ولا يذهبن بك الوهم إلى أننا نقيس التوسل على التبرك ، وأن المسألة لا تعدو أن تكون استدلالا بالقياس ، فإن التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد وهو التماس الخير والبركة عن طريق المتوسّل به ، وكل من التوسل بجاهه صلى اللّه عليه وسلم عند اللّه والتوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه ، أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذي ثبت

--> ( 1 ) العتيدة : كالصندوق الصغير تجعل فيه المرأة ما يعز من متاعها . ( 2 ) مسلم : 1 / 83 . ( 3 ) يرى الشيخ ناصر الألباني أن مثل هذه الأحاديث لا فائدة منها في هذا العصر ، ذكر ذلك في نقد له على أحاديث كان قد انتقاها الأستاذ محمد المنتصر الكتاني لطلاب كلية الشريعة . ونحن نرى أن هذا كلام خطير ما ينبغي أن يتفوه به مسلم ، فجميع أقوال الرسول وأفعاله وإقراراته تشريع ، والتشريع باق مستمر إلى يوم القيامة ما لم ينسخه كتاب أو سنة صحيحة ، ومن أهم فوائد التشريع ودلالاته معرفة الحكم والاعتقاد بموجبه ، وهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة لم ينسخها كتاب ولا سنة مثلها فمضمونها التشريعي باق إلى يوم القيامة ، ومعنى ذلك أنه لا مانع من التوسل والتبرك بآثار النبي عليه الصلاة والسلام فضلا عن التوسل بذاته وجاهه عند اللّه تعالى ، وإن ذلك ثابت ومشروع مع الزمن ، فكيف يقال مع ذلك إنه لا فائدة منها في هذا العصر ؟ . . أكبر الظن أن السبب الذي ألغى فائدتها بنظر الشيخ ناصر ، أنها تخالف مذهبه في التوسل ، غير أن ذلك وحده لا يكفي موجبا لنسخها وانتهاء فائدتها كما هو معلوم .